الشيخ السبحاني

50

مفاهيم القرآن

لاختصاصه بإقليم دون إقليم ، أو بشعب دون شعب . « 1 » ولا يجد الباحث - مهما أُوتي من مقدرة علمية كبيرة - في ما جاء به نبي الإسلام - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - ، على سعة نطاقه ، وبحثه في شتى الجهات ، ومختلف النقاط أيّ طابع إقليمي ، أو صبغة طائفية ، وتلك آية واضحة على أنّ دعوته دعوة عالمية لا تتحيز إلى فئة معيّنة ، ولا تنجرف إلى طائفة خاصة . هذا هو الإسلام وتعاليمه القيّمة ومعارفه الاعتقادية ، وسننه التشريعية فأمعن فيها النظرة مرة بعد أُخرى ، فهل تجد فيه ما يشير إلى كونه ديناً إقليماً خاص ، أو شريعة لفئة محدودة ؟ فإنّ للدين الإقليمي علائم وأمارات ، أهمها أنّه يعتمد في معارفه وتشريعاته على خصوصيات بيئية ، أو ظروف محلية ، بحيث لو انقلبت تلكم الخصوصيات إلى غيرها ، أصبحت السنن والطقوس المعتمد عليها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، وصار النافع منها ضاراً ، فهل تجد أيّها الباحث في ما جاء به الإسلام شيئاً من تلكم الأمارات . هلم معي نحاسب بعض ما جاء به الإسلام في مجالات العلم والعمل ، ونضعها على طاولة الحساب ، فنكون على بصيرة كاملة في هذا الموضوع : فقبل كل شيء ، لاحظ كتاب اللَّه العزيز ، ومعجزة الإسلام الخالدة ، فقد انبثق نوره منذ أربعة عشر قرناً ، حين كانت البشرية تسبح في ظلام دامس مخيف ، ضاعت فيه كرامة الانسان وحريته ، وساد العداء والتنازع بين الناس ، وكان نظام الغاب وحده ، مفزعاً للناس وملجأ إليهم . وفي تلك الظروف جاء القرآن نوراً يستضيء به العالم ، ويعيد للانسان كرامته ومكانته وحريته ، مؤسّساً لمجتمع قائم على أساس وطيد من العدالة الاجتماعية ، سواء في ذلك انسان الجزيرة العربية أم غيرها . هلم معي نستعرض تعاليمه ، فهل نرى آية من آياته الباهرة ، أو قانوناً من قوانينه ، أو حكمة من حكمه ومعارفه ، أو سننه من سنة ، أو فريضة من فرائضه تنفع في

--> ( 1 ) سوف نرجع إليه في ختام البحث ، ونجعله دليلًا مستقلًا على عمومية رسالته .